خبر
من أخبار الرابطة
تعقد رابطة أدباء الحرية اللقاء الشهرى لمارس 2013، بتأبين الشاعرين الكبيرين د. جابر قميحه وصلاح جلال بمقر نقابة العلميين بجوار سينما ديانا من شارع عماد الدين في تمام الساعة السادسة مساء يوم الجمعه الموافق 29/3/2013
يسعدنا تشريفكم
إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات في الأدب والنقد والثقافة. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات في الأدب والنقد والثقافة. إظهار كافة الرسائل
الأحد، 10 مارس 2013
الخميس، 12 يوليو 2012
مسرحية "القلم المغرور" بين الثوب القيمى وخصائص الأداء الإبداعي للطفل - مقال بقلم خالد جوده
مسرحية "القلم المغرور" بين الثوب القيمى وخصائص الأداء الإبداعي للطفل
خالد جوده أحمد
19-1-2009م
( "القلم المغرور" عنوان المسرحية الغنائية التى صدرت مؤخرا عن هيئة الكتاب للشاعر عبده الزراع مدير تحرير مجلة قطر الندى للأطفال، وتدور أحداثها داخل "المقلمة" حيث يتكبر القلم الرصاص على بقية أدوات الهندسة لشعوره أنه أفضل منهم جميعا وأنهم بدونه ليس لهم قيمة. ويحدث صراع آخر بين جميع الأدوات الهندسية التقليدية والأخرى الحديثة الموجودة بالحاسب الآلى، فتشعر الأدوات التقليدية انه سيحل محلهم فى الفترة القادمة. ويحاول المؤلف من خلال النص المعروض أن يعالج مسألة الغرور والصراع بين القديم والجديد، ويظهر ذلك فى اعتراف القلم الرصاص بقيمة بقية أدوات الهندسة، ليعيشوا جميعا فى سلام ومحبة داخل بيت صديقهم فهمان. يذكر أن المسرحية عرضت على مسارح هيئة المسرح عام 2005 وشاركت فى المهرجان الأول للكاتب المسرحى المصرى، باعتبارها مسرحية الأطفال الوحيدة المشاركة فى المهرجان)
هذا هو نص الخبر الصحافي المنشور عن المسرحية بصحيفة اليوم السابع الإلكترونية، بقلم هدي زكريا، بتاريخ 9-11-2009م، والتالي رؤيتي كقارئ في إطار تفاعلي مع النص كما يلي :
يرمي الأديب من خلال مسرحيته الشعرية إلي تحقيق أهداف تربوية وتعليمية في آن واحد، ويستهدي بذلك بطائفة من الأدوات والوسائل الفنية، ونوضح ذلك من خلال البنود التالية :
· شخوص المسرحية مفردات متصلة بالطالب الصغير، وهنا أنسنة أو شخصنة الأشياء، وهي فكرة مشهوده وشهيرة في ميدان الكتابة للطفل، إذن القرب للطفل يكون من خلال الحديث حول بيئة يحياها وأدوات يتعامل معها، بما في ذلك الأدوات الحديثة كالحاسب الآلي .
· المشهد الغنائي وهو القالب الفني الذي أراده الأديب ليكون أقرب لذهن الطفل، وألصق بوجدانه، وهو يبدأ منظره الأول ص 6 من المسرحية بأن تقوم كل أداه من الأدوات الهندسية بتعريف نفسها، وفي إطار هذا التعريف توضح كل أداه مهمتها وفي ذلك تمهيد لما معناه فريق العمل أو تكامل الأدوار، وهي ذات الفكرة الإدارية الهامة التي يقوم عليها علم الإدارة الحديثة بالانتقال من الهيكل الإداري التنظيمي التقليدي إلي الهيكل المفرطح باختصار عددا من المستويات الإدارية، إلي اللاهيكل أو طريقة فرق العمل وهي السائدة في عالمنا المعاصر لكل الشركات الكبرى الناجحة، لذلك تغرس تلك المسرحية من خلال نسقها الغنائي وفكرتها الأساسية نحو تأكيد هذه القيمة ليخرج لنا جيل جديد للمستقبل يؤمن بتلك الأفكار التي تحقق النجاح والتقدم.
· ومن خلال التعريف أيضا نجد اللمسة الوجدانية للوطن والتي تغرس قسمة مؤداها في فؤاد الطفل قيمة الوطن :
القلم : أنا القلم : / بسني بارسم ف الخطوط / أرسم بيوت تبقي وطن / ارسم شموس وأرسم علم (ص 7:6)
· الحوار بين الفرد والجماعة والتي تقوم بدور تربوي هام بعزل والضغط عن المفارق لقيمها حتى يعود مرة أخري إلي طريق الصواب ويقارب قيمها الثابتة، وتلك الفكرة في غاية الأهمية إذ عنها مدار الإصلاح جميعه، بمعني أن غرس طائفة من القيم الراقية في نفوس أطفالنا وفي وسائل التدريس تؤدي بذاتها دورا ذاتيا في إصلاح العطب من خلال الضغط الجمعي، سواء من خلال السخرية من المجموع بالقلم المغرور، أو بالتوضيح والإفهام له من الأدوات الأخرى، أو بالتجربة المشاهدة، والتي تحمل البرهان مثل المباراة والتحدى للقلم بالقيام بمهام أدوات أخرى (ص 13:12)، ثم الصياح عليه
الجميع : (يضحكون) ها ها ها ها هاي يادي الفشل يادي الفشل
وفكرة الضغط الجمعي لتصويب الخطأ من أوضح ما يكون ما يكون في نسق الفكرة.
· للناقد مصطفي الضبع عبارة أجد لها تطبيقا في مسرحية اليوم، وتلك العبارة تتحدث عن العبارة الكاشفة أو المضيئة للنص، فالنص كالبيت له نوافذ ترشد عنه، واسميها العبارات اللافتات أو العبارات الملخصة، وفي المسرحية بين يدنا نجد أن تلك اللافتات تغرس قيما تربوية تؤكد علي أخلاق رفيعة مثل العطاء
المسطرة : لأ يا جماعة مش كده .. الموضوع مش مين أحسن من الثاني .. المهم إننا كلنا بنكمل بعضنا . (ص 10)
ويتكرر مفهوم إحنا بنكمل بعض (ص11)، البرجل : (..) مفيش غنا عن بعضنا (ص12)، واعتقد أن هذه من أهم القيم التربوية التي تقوم المسرحية بتأكيدها نحو العطاء والتعاون والتي نحن في أشد الحاجة اليوم لغرسها في أجيالنا الناشئة.
· أيضا التناص الدائر في أفاق المسرحية والذي يأخذ عبارات مباشرة من أغاني شهيرة جدا، يجعل الفكرة والداء قريبين جدا من الطفل ومن نماذج ذلك :
البرجل : أيوه وتقعد تغني لنا (يغني بصوت غليظ) بتسأل ليه على .. ما لكش دعوى
بيا .. وتقول وحشاك عنيا .. ما لكش دعوي بيا .. (ص18)
وأيضا، الويندوز : زعيم إيه اللى أنت جاى تقول عليه !! إنت تعرف قبله معني
الزعامه إيه !! (ص39)
لكن في مجال هذا التناص توقفت رافضا (وأرجو أن يسمح لي الأديب بممارسة هذا
الحق كقارئ) علي المستوي القيمي لمشهد مغازلة البرجل للكىيورد صفحة 40 وهو
مشهد طالما جرى ابتذاله علي شاشة التليفزيون من خلال عشرات الأفلام
والمسرحيات، لكننا هنا في مجال نفي للقيم السلبية وتأكيد قيم إيجابية للطفل، صحيح
أن الأديب قصد بذلك تحقيق الطرافة وإسعاد الطفل، لكن الغزل المقدم في الأفلام
مستقر في ذهن الطفل بمعني أن يقوم الشاب بمعاكسة الفتاة .
وعلي نفس الوتيرة رفضت أن تقوم الأم بتقديم كوبين من الشاي للأستاذ والطفل (ص
25) إذ أنه لا يجب أن يشرب الطفل (السن من 8 – 12 سنه) شايا، وهو من
المنبهات التي يجب أن يبتعد عنها الطفل.
· أيضا الاختيار المباشر لاسم البطل (فهمان) يدل علي الخطاب المناسب للطفل، وتأكيد أهمية الفهم والذي يرقي عن الذكاء بتوظيف الأفكار لإدراك جوهر الأمور ، ورعاية مناسبة الحال.
· تناقش المسرحية أيضا فكرة الغرور وتتوغل داخل شخصية المتكبر، وتنبين تهافت ما بستند عليه من تعظيم ذات والاستعلاء بها علي الآخرين فهنا منحي نفسي، يقدم للطفولة بلغة سهله واضحة قريبه من وجدانه .
· هناك أيضا مسحة فكاهية لتقترب جدا من أفاق الطفل الذي يعشق الضحك والتسلية، من خلال أداء كوميدي لبعض الأدوات أو من خلال حركات كوميدية أو مشهد الأستاذ خلوصي والذي اختار له الأديب اسم له جناس ناقص مع خصوصي، والتي تؤكد علي معني إدانة ظاهرة الدروس الخصوصية وجشع بعض المدرسين الخصوصيين، كما تلمح من طرف خفي لتهافت العملية التعليمية وانهيارها في بلدنا اليوم.
وبرع الأديب في استخدام تقنية التكرار للخطأ في اسم المدرس بين الطفل (فهمان) وأمه، وقد تبدو قضية التكرار من التوابل الفنية والتي يجب استخدمها بحذر في أدب الكبار، بينما جاءت هنا باحتراف وفهم لطبيعة الطفل والذي كلما تكررت كلما زادت من سعادة الطفل وتفاعله مع المسرحية.
· تزخر المسرحية كما ذكرنا بطائفة من القيم التربوية الرئيسة في تناول الفكرة، لكن لم يمنع هذا الأديب من التلميح لشئون وقيم أخرى هامة تتصل بالعملية التعليمية (الدروس الخصوصية، التحفيز للطالب من خلال تقديم الوعد له بمكافئتة حال تحقيقه مستوي دراسي معين، وبالطبع هي من ألزم الأفكار التربوية منذ القدم)، وقيم التطور (مثال : العولمة والحاسب الآلي، وعلاقة الرقمي بالورقي والتكامل بينهما في فهم صحيح لتكامل الأدوار وطبيعة التطور)، أيضا اللغة العربية وأهمية التحدث بها وتأكيد تنقية الحديث من شوائب لا تتصل بها، والحقيقة أن هذه القضية شغلتني، حيث طالما نلتقي بمن يبتكر لغة جديدة مشوهه (هجين) بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية في بحث نحو الجدارة وتأكيد الأهمية، وسوف أسرد تلك الفقرة من المسرحية :
فهمان : ياريت يا أستاذ، خلوصا .. قصدي خصوصا لأني في بعض الدروس محتاج نعمل عليها (استرس).
أ. خلوصي : (بغضب) استـ .. إيه يا أخويا.
فهمان : (بخوف) استرس يا أستاذ .. يعنى نركز عليها.
أ. خلوصى : اسمها نركز عليها .. مش (استرس) .. خلاص كلكلوا بقيتوا خواجات .. لسانكوا اتعوج .. مالها اللغة العربية .. دى لغة البيان والقرآن .. لازم نحافظ عليها .. وخلوصا .. قصدي (بنرفزة) وخصوصا في عصر المدعوكه دي اللى اسمها العولمة.
ولعل إيراد كلمة العولمة لا ترقي لفهم الطفل، لكنها تعطيه مفتاحا لمعرفة عصره، وموقف الأستاذ من وجوب التمسك بلغتنا لعله الموقف الإيجابي الوحيد لهذا الأستاذ المنغلق الذي يرفض التطوير ويحارب التقدم متمثلا في الحاسب الآلي، لكن هنا تناقضا لا أحبذه حيث أن معناها أن من ينادى بلغتنا الجليلة يكون منغلقا منفعلا !!، وحيث انه يحارب التطوير رغبة منه في الحفاظ علي مكاسبه، لذلك انقلب الأمر إلي عداوة مستحكمة بينه وبين الحاسب الآلي.
الأم : سيبك منه يا فهمان .. د باين عليه عدو التقدم .. ( .. )
فهمان : (يبكي) يا ماما هو كل المدرسين بالشكل ده .
الأم : لا يا حبيبي ده نوعيه من المدرسين الجشعين اللى ضد العلم والتطور .. لكن فيه مدرسين كويسين بيخافوا عليك ( ص 29)
وهنا ملمح آخر بإرساء قاعدة للفهم السليم بخطيئة التعميم والتي تقود للتعصب المشين.
كما نجد بعدا تشكيلي من خلال تلك الصورة صفحة 27 للأستاذ الأشعث والذي يمثل الماضي المتعثر، وفهمان الطفل الأنيق النظيف الذي يمثل المستقبل.
· إيقاع المسرحية متوازن بحيث لم يمكن تقسيمها مناصفة بين حوار وتفاعل بين الأدوات الهندسية، ثم طارئ حديث بورود الحاسب الآلي بمكوناته، والتفاعل بينها وبين الأدوات الهندسية من ناحية أخرى، وكما بدأت الأدوات الهندسية بالتعريف بذواتها في مطلع المسرحية من خلال استعراض غنائي، نجد أن الحاسب الآلي بمكوناته يقدم استعراضا غنائيا للتعريف أيضا، وهذا الاستعراض الذي يقدم مكونات الحاسب الآلي هو عبر تفاصيله مضمون الدرس لطلاب الصف الخامس الإبتدائي وهذا يدفعنا للحديث حول الجانب التعليمي في أدب الطفل، حيث يجب أن يزخر الأدب الذي يقدم له بجوانب معرفية مقدمه بطريقة مشوقة، بل لعل الهدف التعليمي يكون رئيسيا في هذا الأدب، كما يجب أن يكون مباشرا سهلا، قريبا من بيئته وذهنه ويطرق علي وجدانه لينقش فيه القيم التي تصنع جيل المستقبل، وتغير وجه الحياة في مصرنا الحبيبة، وهذا جميعه لمسناه في تلك المسرحية الشعرية التي أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن شاعرنا مسيطرا علي أدواته فاهما لتقنيات ووسائل الكتابة للطفل والتأثير فيه.
· وفي آخر صفحة من المسرحية عرضا لقضية لا تمس أدوات الهندسة ومواجهتها لخطر إحلالها بالحاسب الآلي، بل تمس حتى عشاق الخط العربي الذين واجهوا اضمحلالا مع التكنولوجيا الحديثة، لكن يبق للخطاط وأدائه الخطي المبدع حضوره علي المستوي الفني والجمالي، وإن تراجع دوره علي المستوي الاستعمالى، وهي بالضبط قصة الأدوات الهندسية مع الحاسب الآلي.
· أما من ناحية الرسوم فهي لطيفة ومعبرة، وإن افتقد الغلاف رسوما لمكونات من الحاسب الآلي حتى يكون الغلاف معبرا بالمماثلة لفكرة المسرحية ككل.
· وبقي أخيرا أن نشير أنه رغم مرور قرابة الست سنوات علي تقديم المسرحية في ثوبها الأصيل عبر مجمع الفنون (المسرح)، لكن حسنا فعل الأديب بنشرها ورقيا لأنها تحقق هدفا رائعا وهو غرس القيمة الأدبية في ذاتها، وعشق الطفل لمطالعة الآثار الأدبية بصورتها الورقية، والتي أصبحت موضع للرثاء في عصر تدهور القيم.
الثلاثاء، 22 مايو 2012
الأدب ونهضة الأمة - بقلم: خالد جوده
الأدب ونهضة الأمة
خالد جوده
الأدب رافد رئيس من روافد الثقافة، ومكون أصيل من مكونات الحضارة، لذلك كان له دوره المشهود في النهضة، ومعاونة الأمة علي استشراف مستقبلها، ورسم أحلام وأشواق ابنائها، فالأدب له دور أكيد في تحقيق نهضة الأمة العربية من كوبتها الهائلة، فالعمل الأدبي والذي يقتني الجمال والقيمة يؤثر في نفوس المتلقين تأثيرا لا يساويه لون آخر من ألوان الوعظ والخطابة والمحاضرات، حيث يخاطب العمل الأدبي الوجدان، وينبه العقل، وينتقل بالقارئ إلي أفاق مواقف جديدة من الإيجابية والعطاء، العمل الأدبي الجيد يطرح العديد من التساؤلات، ويحرك المياه الراكدة في القلوب، ويؤسس رأيا عاما، وفكرا نابها
والأمم القوية هي التي فطنت إلي أهمية الأدب في نهضتها، فأعطته اهتمامها، وشجعت الأدباء علي إبداعهم، واعتنت عناية فائقة بالفكر والثقافة، بعكس الحال في أوطاننا العربية والإسلامية والتي تعاني ركودا ثقافيا كبيرا، وركودا أدبيا أشد، فهي ظلمات فى طيها ظلمات، وما مظاهر ضعف القراءة وانصراف الناس عن الآداب والفنون، سوي مظهر أكيد من مظاهر الضعف الثقافي والانهيار البالغ بل وصل الأمر إلي اعتبار الأدب مظهرا من مظاهر الترف، ونسمع كثيرا من يقول أنه لا يهوي الأدب ومطالعته وأن شئون المعاش أكثر أهمية وأجدي نفعا، وهو
في ذلك قد جانبه الصواب، فالأدب يشتمل نفوسنا في اكثر أوقات حياتنا، فوسائط الإعلام بما تقدمه من دراما وفنون، والنماذج الأدبية التي تقدم عبر تلك الوسائط العملاقة قد شكلت وجدان الجماهير، وطرائق التأثير الفني والأدبي قد رسمت أفكار الناس وإن ظنوا أنهم بعيدين عن دائرة الأدب وأقدم مادة هامة حتى نؤسس ما نرمي إليه من معني الأدب اللازم للنهوض بالأم :والفقرة عن مدارس الأدب في عجالة سريعة فمن المدرسة الطبيعية والتي نقلت الواقع كما هو بحذافيره وبكل ما فيه من قبح وفساد، لذلك كان اهتمام هذا الأدب بقاع المجتمع وبما فيه من موبقات وآلام وقبح هائل، ثم المدرسة الرومانسية والتي انصرفت إلي الذاتية المحضة، فأغلق الأدباء علي أنفسهم ذواتهم ولم ينزلوا من أتراح أوجاعهم الخاص إلي آلام واقعهم المشهود، ثم ظهرت أيضا مدرسة الفن للفن والتي تري أن الشكل الجمالي والمتعة الفنية هو غاية العمل الأدبي والقصد منه، حتى شاهدوا في القبح جمالا، ثم الواقعية بشتى أطيافها خاصة الواقعية الاشتراكية والتي انصرفت كليا إلي قضايا
المجتمع ومشكلاته، ولكنها أهملت الناحية الجمالية فتحول العمل الأدبي معها لنشرة دعائية وأدب موجه أيدلوجيا يفتقد جمالية الفن ومتعته، ثم التيارات الحداثية والتي استترت خلف الغامض من التعبير وانزلقت إلي مهاوي الفوضى ليس تجديدا (فالتجديد أو التحديث مستمدا من الأصول ليرقي بها ويؤسس عنها) بل هدما وفوضي شاملة تستتر خلف معميات اللفظ، ومتاهات الرمز الغارق إلي مهاوي الغموض
وظهر الأدب الإسلامي وهو في معناه الصحيح أدبا إنسانيا يلتزم بإطار قيمي يتم رفده من تعاليم الإسلام، فالأدب الصحيح والناهض بالأمة هو الذي يقتني كل من القيمتين الجمالية والموضوعية فيحمل العمل الأدبي رؤياه الخاصة ويحدد موقفه من الكشف والإدانة والتفاعل مع الواقع، وتقديم القيم الفنية والنفسية والإنسانية، وفي ذات الوقت يقدم المتعة ليؤثر علي القارئ من أقرب سبيل فيداخله في خطرات نفسه، ويحفر داخله تلك القيم بشكل لطيف ومؤثر، أو يوخزه ليتألم وهو يقدم تشريحا للواقع، لكنه أيضا يستمتع بما يضمه العمل من وسائل الأداء الجمالي، أي أن الأدب الناهض بالأمة هو ما يشتمل علي الإمتاع والإبداع
والانتفاع والأدب الإسلامي في محتواه أدبا يقدم القيم الفكرية والموضوعية في ثوبها الفني الأخاذ، أي توجيه فلسفة الجمال نحو المجتمع وقضايا الإنسانية بعامة مع رعاية القيم الجمالية، ولا ريب أن مثل هذا الأدب يرقي بالأمم ويؤسس النهوض .
والأمم القوية هي التي فطنت إلي أهمية الأدب في نهضتها، فأعطته اهتمامها، وشجعت الأدباء علي إبداعهم، واعتنت عناية فائقة بالفكر والثقافة، بعكس الحال في أوطاننا العربية والإسلامية والتي تعاني ركودا ثقافيا كبيرا، وركودا أدبيا أشد، فهي ظلمات فى طيها ظلمات، وما مظاهر ضعف القراءة وانصراف الناس عن الآداب والفنون، سوي مظهر أكيد من مظاهر الضعف الثقافي والانهيار البالغ بل وصل الأمر إلي اعتبار الأدب مظهرا من مظاهر الترف، ونسمع كثيرا من يقول أنه لا يهوي الأدب ومطالعته وأن شئون المعاش أكثر أهمية وأجدي نفعا، وهو
في ذلك قد جانبه الصواب، فالأدب يشتمل نفوسنا في اكثر أوقات حياتنا، فوسائط الإعلام بما تقدمه من دراما وفنون، والنماذج الأدبية التي تقدم عبر تلك الوسائط العملاقة قد شكلت وجدان الجماهير، وطرائق التأثير الفني والأدبي قد رسمت أفكار الناس وإن ظنوا أنهم بعيدين عن دائرة الأدب وأقدم مادة هامة حتى نؤسس ما نرمي إليه من معني الأدب اللازم للنهوض بالأم :والفقرة عن مدارس الأدب في عجالة سريعة فمن المدرسة الطبيعية والتي نقلت الواقع كما هو بحذافيره وبكل ما فيه من قبح وفساد، لذلك كان اهتمام هذا الأدب بقاع المجتمع وبما فيه من موبقات وآلام وقبح هائل، ثم المدرسة الرومانسية والتي انصرفت إلي الذاتية المحضة، فأغلق الأدباء علي أنفسهم ذواتهم ولم ينزلوا من أتراح أوجاعهم الخاص إلي آلام واقعهم المشهود، ثم ظهرت أيضا مدرسة الفن للفن والتي تري أن الشكل الجمالي والمتعة الفنية هو غاية العمل الأدبي والقصد منه، حتى شاهدوا في القبح جمالا، ثم الواقعية بشتى أطيافها خاصة الواقعية الاشتراكية والتي انصرفت كليا إلي قضايا
المجتمع ومشكلاته، ولكنها أهملت الناحية الجمالية فتحول العمل الأدبي معها لنشرة دعائية وأدب موجه أيدلوجيا يفتقد جمالية الفن ومتعته، ثم التيارات الحداثية والتي استترت خلف الغامض من التعبير وانزلقت إلي مهاوي الفوضى ليس تجديدا (فالتجديد أو التحديث مستمدا من الأصول ليرقي بها ويؤسس عنها) بل هدما وفوضي شاملة تستتر خلف معميات اللفظ، ومتاهات الرمز الغارق إلي مهاوي الغموض
وظهر الأدب الإسلامي وهو في معناه الصحيح أدبا إنسانيا يلتزم بإطار قيمي يتم رفده من تعاليم الإسلام، فالأدب الصحيح والناهض بالأمة هو الذي يقتني كل من القيمتين الجمالية والموضوعية فيحمل العمل الأدبي رؤياه الخاصة ويحدد موقفه من الكشف والإدانة والتفاعل مع الواقع، وتقديم القيم الفنية والنفسية والإنسانية، وفي ذات الوقت يقدم المتعة ليؤثر علي القارئ من أقرب سبيل فيداخله في خطرات نفسه، ويحفر داخله تلك القيم بشكل لطيف ومؤثر، أو يوخزه ليتألم وهو يقدم تشريحا للواقع، لكنه أيضا يستمتع بما يضمه العمل من وسائل الأداء الجمالي، أي أن الأدب الناهض بالأمة هو ما يشتمل علي الإمتاع والإبداع
والانتفاع والأدب الإسلامي في محتواه أدبا يقدم القيم الفكرية والموضوعية في ثوبها الفني الأخاذ، أي توجيه فلسفة الجمال نحو المجتمع وقضايا الإنسانية بعامة مع رعاية القيم الجمالية، ولا ريب أن مثل هذا الأدب يرقي بالأمم ويؤسس النهوض .
الأربعاء، 16 مايو 2012
مقال متميز علي موقع منارات: تفاعل القيم الإنسانية في الأدب بقلم د. سعاد الناصر
تفاعل القيم الإنسانية في الأدب
د. سعاد الناصر
من مظاهر تكريم الله عز وجل للإنسان، أنه لم يتركه بدون مرشد في هذه الحياة، بل فطره على الحق: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(الروم:30). والقيم الإنسانية تنطلق من الفطرة السليمة التي خلق عليها كل البشر، باعتبارها معاني مشاركة في تكوين الشخصية الفردية، وإقامة البناء الاجتماعي، وممارسات توجه السلوك الإنساني، تضفي نوعًا من التوازن والانسجام في علاقة الإنسان بذاته وبمن يحيط به. ومما لا شك فيه أن ما تعيشه الحضارة الإنسانية المعاصرة من تحولات جوهرية، يجعل موضوع القيم من أبرز التحديات التي تواجه الأفراد والأسر والمؤسسات المدنية والمجتمعات والشعوب، خاصة الإسلامية وهي تعيش حالة حادة من حالات الانسلاخ عن الذات، سواء باجترار القديم دون تمحيص أو بالتقليد دون وعي أو تبصر، الأمر الذي يغدو معه استنباط القيم الإنسانية من عمق مكابدات الإنسان مع الحياة، قضية ضرورية وملحة، كما أن محاولة إشاعتها باعتبارها قيمًا إنسانية مشتركة بين البشرية جمعاء، يمثل طوق النجاة لها.
وبما أن الأدب صيغة إنسانية تبحث في طبيعة سلوك الإنسان، وتسعى إلى إعادة اكتشاف العالم الداخلي والخارجي برؤية متجددة وإلى التواصل معهما، وتهدف إلى الكشف عن واحات بظلال وارفة يبصر فيها المتلقي آفاق النفس والكون عبر صور جمالية تنعكس على عقله ووجدانه، فإنه ليس لأحد أن ينكر أن القيم هي مجال الأدب بامتياز، وأنها ثمرة من ثمرات تفاعل الأديب مع واقعه النفسي والاجتماعي والثقافي، الأمر الذي يجعل المتلقي أكثر قدرة على الفهم والتفكير والتذوق، وأعمق غوصًا في طبيعة النفس البشرية. من هنا تصبح أسئلة من قبيل؛ إلى أيّ حد يمكن أن يستجيب الأدب للفطرة الإنسانية؟ وما علاقة هذه الاستجابة بسلّم القيم؟ وإلى أيّ حد ممكن يصبح الأدب محركًا لوعي الإنسان تجاه ما هو كائن انطلاقًا مما ينبغي أن يكون؟ أسئلة مشروعة تحفز الباحث على البحث والدراسة في موضوع القيم وارتباطه بالأدب.
جدلية العلاقة بين القيم الإنسانية والأدب
القيم الإنسانية في الإسلام لا تتغير ولا تتطور تبعًا للظروف الاجتماعية أو السياسية والأحوال الاقتصادية، بل هي حدود ثابتة متينة ضد الفوضى والظلم والشر والفساد، يقول الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)(البقرة:230). لذلك فالإنسان المؤمن يسعى دائمًا إلى الثبات على القيم مهما تغيرت به الأحوال، ولا يحق له التغيير سوى فيما يساعده على ذاك الثبات، وما يحقق طبيعة استخلافه في الأرض. والأدب تعبير جمالي عن أدق مشاعر الإنسان، وعن قضاياه الفردية والجماعية، يحفز المتلقي على معانقة الخير والحق والجمال، ونبذ العنف والفساد والقبح. من هنا ندرك عمق العلاقة بين القيم والأدب في المنظومة الإسلامية.
وبما أن "الإسلام يبسط من خلال قرآنه وسنة نبيه، رؤية جديدة للكون والعالم والحياة والإنسان، رؤية تجيء بمثابة انقلاب شامل على كل الرؤى المحدودة، والمواضعات البصرية القاصرة، والأعراف والقيم والتقاليد والممارسات المبعثرة الخاطئة، رؤية تبدأ انقلابها هذا في صميم الإنسان، في عقله وقلبه وروحه ووجدانه وغرائزه وميوله وصيرورة الحركة التاريخية"(1) فإن تفاعل الأدب مع القيم يعني؛ انطلاق الأديب المسلم في ممارساته الإبداعية، من رؤية أخلاقية وإنسانية تبرز مصداقيته في الالتزام بتوظيف الأدب لخدمة العقيدة والشريعة والقيم وتعاليم دينه ومقاصده، وتبيّن إيجابيته عند معالجة قضايا العصر والحياة، التي ينفعل بها انفعالاً مستمرًّا، فلا يصدر عنه إلا نتاج أدبي متفق مع أخلاق الإسلام وقيمه وتصوراته، ونظرته الشاملة للكون والحياة والإنسان؛(2) في إطار من الوضوح والعمق الذي يبلور حقيقة علاقات الإنسان مع ذاته وخالقه والكون من حوله، وحقيقة الرسالة الملقاة على عاتقه، التي هي رسالة إنسانية تقتضي منه "الإحساس بالحياة التي يحياها، والتعمق في المجتمع الذي يعيش فيه، وتزكية ما يلتمع في ذلك المجتمع وفي تلك الحياة من مثُل وقيم كريمة تدعو إلى حرية وحق وخير وسلام".(3)
وفي هذا الإطار، انطلق توجه الأدب الملتزم بقيم الإنسانية في الأدب العربي، مستهديًا بالتصور الإسلامي ومنهجه على مر العصور، ولم يعرف غيابًا عن حركة التاريخ في يوم من الأيام، لأنه كان مرتبطًا بالأرضية الفكرية والنفسية التي يقف ويتوقف عليها الإنسان العربي والمسلم، ولأنه كان ممتزجًا بآلام وآمال هذا الإنسان... ولعل كل ذلك يفسر قسطًا من سبب بقائه ومشروعية استمراره منذ أزيد من أربعة قرون، رغم الفتور الذي يلاحظ بصدده في بعض المراحل التاريخية.(4)
رسالية الأديب في المجتمعات الإسلامية
ويمكن بعد هذا، تقسيم القيم الإنسانية في الأدب إلى ذاتية وإبداعية. القيم الذاتية، تنبع من ذات الأديب وانضباطه الأخلاقي الذي ينسحب على رؤيته للأمور، وعلى مواقفه من مختلف القضايا التي يعبر عنها، ويجعله يجنح نحو طلب القيم الأخلاقية الحسنة التي تعصمه إنسانيًّا من الانحطاط في دائرة الكائنات غير الإنسانية، وتكون سمات أساسية في نسيجه السلوكي والإبداعي.
أما القيم الإبداعية، فهي مجموع العناصر والصفات التي يمكن أن يتميز بها إبداعه، والتي يستمدها الأديب المسلم من القرآن الكريم، فيتميز أدبه بعناصر الصدق والأمانة والدقة والطهارة والقوة وغير ذلك من الصفات الجمالية المرتبطة بالقيم. إن الأديب بصفة عامة "هو واحد من المدعوين لممارسة المهمة الخطيرة بفنه القادر على التأثير والتحصين، بل إنه مدعو إلى أكثر من هذا؛ إلى دعوة المجتمعات الإسلامية لاستعادة ممارستها الأصيلة، وقيمها المفقودة، وتكاملها الضائع، وتقاليدها الطيبة، وإحساسها المتوحد، وصبغتها الإيمانية التي أبهتتها رياح التشريق والتغريب".(5) من هنا يمكن القول إن على الأديب -بصفة عامة- أن يخلص لرسالته، وألا يجعلها أداة انحراف وفساد، وليس له "أن ينشر الناس مباذله بدعوى الحرية والانطلاق من القيود"،(6) لأن له على أمته حقًّا لا يجوز له أن يهضمه ولا يجوز لها أن تتنازل عنه.
حضور القيم الإنسانية في الأدب
تتفاوت درجات حضور القيم الإنسانية بمفهومها الذاتي والإبداعي في الأدب العربي بصفة خاصة، إلا أنه لا يكاد يخلو منها. وكلما كان حضورها قويًّا متداخلاً مع القيم الجمالية، كان أعمق تأثيرًا في النفس، وأكثر قدرة على التغيير نحو عالم أفضل وأحسن.
وأول القيم التي تستوقف الدارس في هذا المجال قيمة الصدق، يقول تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(الشعراء:224-227).
ترى المعاجم اللغوية أن الصدق ضد الكذب، وتفسّر بعض كتب البلاغة العربية الصدقَ بأنه مطابقة الخير للواقع، والكذب بعدم مطابقته للواقع، لكن الصدق في الأدب يعني الصدق الشعوري المنبعث من الإيمان، والناتج عن الالتزام بقيم الإسلام. وهذا الصدق في العمل الأدبي، لا يتناقض مع التعبير الفني وجماليته ووسائله المختلفة طالما أن هذه الوسائل توضح الحقيقة، وتكشف عن كنهها، وتؤكدها في ذهن المتلقي.
وقد وردت هذه السمة ضمن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زهير بن أبي سلمى: "ولا يمدح الرجل إلا بما فيه"،(7) وهي عبارة يُفهم منها معنى الموافقة مع واقع الحال، أو الصدق في الواقع. كما وردت كلمة الصدق في بيت شعر لحسان بن ثابت رضي الله عنه بمفهوم مطابقة نفسية الشاعر أو حاله:(8)
وإن الشعر لب المرء يعرضه***على المجالس إن كَيسًا وإن حُمقا
وإن أشعر بيت قائله***بيت يقال إذا أنشدتـه صدقا
وقد خاض عديد من النقاد العرب في هذا المفهوم بعد عمر بن الخطاب وحسان بن ثابت رضي الله عنهما؛ أمثال الجاحظ وابن طباطبا وغيره... يقول الجاحظ: "وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح وأبقاها أثرًا وأحسنها ذكرًا أن يكون المديح صدقًا ولحال الممدوح موافقًا وبه لائقًا". فمن خلال هذه القولة، تتجلى لنا بوضوح الدعوة إلى الالتزام بالصدق في الشعر عنده. ووقف "إحسان عباس" في كتابه " تاريخ النقد الأدبي عند العرب" على معنى "الصدق" في نقد ابن طباطبا في كتابه "عيار الشعر"، فرأى أن لدى ابن طباطبا استعمالات مختلفة له:
1- الصدق الفني أو إخلاص الفنان في التعبير عن تجربته الذاتية. يقول ابن طباطبا: "فإذا وافقت هذه الحالات، تضاعف حسن موقعها عند المستمع، لا سيما إذا أيدت بما يجلب القلوب من الصدق عن ذات النفس بكشف المعاني المختلجة فيها، والتصريح بما كان يكتم منها، والاعتراف بالحق في جميعها استفزازًا لما كان يسمعه".
2- صدق التجربة الإنسانية -وهذه تتمثل في قبول الفهم للحكمة- يعلل ابن طباطبا ذلك "لصدق القول فيها، وما أتت به التجارب منها".
3- الصدق التاريخي وذلك "يتمثل عند اقتصاص خبر أو حكاية أو كلام".
4- الصدق الأخلاقي؛ فالقدماء كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركبوها على القصد للصدق فيها مدحًا وهجاءً... إلا ما قد احتمل الكذب فيه حكم الشعر من الإغراق في الوصف والإفراط في التشبيه. فكان مجرى ما يوردونه مجرى القصص الحق والمخاطبات بالصدق.
5- الصدق التصويري، ويسميه ابن طباطبا "صدق التشبيه" فعلى الشاعر "أن يعتمد الصدق الحق والوفق في تشبيهات".
وفي العصر الحديث نجد من المهتمين بمفهوم الصدق في الأدب، الناقد "محمد النويهي" الذي وضع كتابًا خاصًّا يعالج موضوع "الصدق في الأدب"، ويبيّن لنا من خلاله صعوبةَ التحديد مطلقًا، رغم أنه قدم لنا فيه بعضًا من شروطه:
أ- "أن تكون عاطفة الأديب التي يدّعيها قد ألمت به حقًّا، وأن تكون عقيدته التي يتبناها هي عقيدته الحقيقية في الموضوع الذي يتناولـه.
بـ- أن تكون حدة تصويره ناشئة عن حدة شعوره وقوة حساسيته لا عن رغبة المبالغة والتهويل.
جـ- ألا يخالف تصويره النواميس البدائية للكون كما نعرفه، ولا حقيقة السلوك -السلوك الإنساني- فيما نخبره من البشر في تجاربهم ومواقفهم، هذا فيما عدا الموضوعات الخرافية والأسطورية.
د- أن يكون من شأن صنعته أن تزيد عاطفته جلاء وقربًا لا أن تقف أمامها حجابًا يشغلنا تأمله من النظر فيها".(9)
وهذه الاستعمالات المختلفة للصدق، تجتمع حول معنى تحري الحق... من هنا فالصدق في الأدب يتحقق إذا انطلق من عاطفة المبدع وانفعاله، وصدر عن رؤية متعمقة للواقع والأشياء تتجاوز الأحداث لاستبصار أبعادها الجوهرية.
وقد تجزأت هذه الرؤية الأخلاقية التي تتكامل فيها دلالات الصدق، في أغلب ما أنتجه الأدب العربي الحديث ونقده، وأصبح الأدب كي يكون صادقًا وناجحًا، لابد أن يكون أدبًا مكشوفًا، وأصبح الاتجاه الطاغي حاليًّا إبراز بعض القضايا بأساليب كاشفة منحطة، إلا من رحم الله.
وانتقادنا لهذا الواقع السائد في الأدب يرجع إلى اعتبار؛ أن تبني الأديب للكلمة الطيبة الجميلة، والمساهمة في تهذيب الذوق العام وتربيته، وأن الوعي بحاجة المتلقي العربي لأدب يقدم الواقع ولا يهرب منه، وتقديمه برؤى إنسانية وجمالية تخرج به من شرنقة التغريب والانحطاط، ضرورة إنسانية وحضارية. وهذا لا يعني أن علينا مصادرة حرية الأديب، بل تعني أن ينضبط بمسؤولية تهذيبها وتسديد طريقها، كي تسلك مسلكًا إنسانيًّا رفيعًا، فلا تُسقط هذه الحرية الأديب نفسه في نظر مجتمعه، ولا تُلحق الضرر بغيره إذا طاشت حريته، ولم ترشّد. فالتزام الأديب بقيم الإسلام ومقاصده يجعله في مستوى عال من الحرية الإنسانية ذات الأدب الجمّ. والذي يقوده إلى ذلك هو طبعه الإسلامي وقلبه التّقي، وحسّه الإنساني المرهف؛ من هنا يصح لنا أن نقول؛ إن رسالة الأديب المسلم ربانية إنسانية، وليست حيوانية أو شهوانية. وإن الأديب بصفة عامة، ليس مجرد إنسان يملك مشاعر وأحاسيس، ويعاني من المشكلات والصعاب والآلام المنتشرة في المجتمع الإنساني، وإنما هو أيضًا -وقبل أي شيء آخر- يملك رسالة حضارية، تخول له البحث عن تجاوز للمعاناة، وعن حلول للمشكلات حتى وهو في أكثر لحظاته انفعالاً وتصويرًا وإبداعًا، كما أن الله تعالى حباه بشحنات مضاعفة من دقة الإحساس وعمق الشعور بالمسؤولية عليه توظيفها في أدبه.
والأديب المسلم وإن لامس في الحياة تجارب هابطة وغير أخلاقية، فإنه يعبر عنها تعبيرًا حيًّا يدفع إلى النفور من ذلك الواقع. وهذا الأمر نجده -بشكل أو بآخر- في كل الحضارات الإنسانية، كما نجده عند بعض الأدباء أنفسهم وإن كانوا غير منتسبين إلى الإسلام، يقول "بلزاك": "ليست مهمة الفن أن يقدم نسخة طبق الأصل عن الواقع، وإنما أن يعبّر بشكل فني عن هذا الواقع، أن يكشف عن لغزه وسره".
ومن القيم التي نجدها في أدب المسلم أيضًا قيمة "الطيبة" المرتبطة بالمفهوم القرآني في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ)(إبراهيم:24-27). ولا يمكن استجلاء هذا المفهوم، إلا في علاقته بمفهوم الخشية من الكلمة الخبيثة كما ورد في قوله: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة في سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم" (رواه البخاري).
ومعلوم أن الألف واللام في "الكلمة" للجنس فتشمل جميع أنواع الكلام من غير تخصيص، حتى التي تدخل في مجال الأدب والمجاز والاستعارة. ونظرة إلى الأدب التي ينتجه المسلم الملتزم بقيم دينه ومبادئه، يكشف أنه يعف قلمه عن كتابة كلمة "خبيثة" وإن تعرض لأي قضية من قضايا الذات أو المجتمع أو الأمة، فمهما سمت أو سفلت فإنه يتعرض لها بأسلوب عفيف طيب. والنماذج كثيرة ومتعددة.
وتحري سمات الصدق والطيب عند الأديب المسلم يسلمه إلى تحري عناصر الهدف واليقين وانتفاء العبث عن كتاباته امتثالاً واستجابة لقوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)(المؤمنون:115). فهو يعرف قيمة الأدب ورساليته ودوره في الدعوة إلى الله وإصلاح النفس والمجتمع. ويعي أنه طريق مهم من طرق بناء الإنسان الصالح والمجتمع الصالح، وأداة من أدوات الدعوة إلى الله والدفاع عن الشخصية المسلمة. فيسعى إلى تسخير بيانه لرسالته في إطار وعيه بقيمة الكلمة ومسؤوليتها، ودورها في التأثير وتشكيل وجدان الإنسان... خاصة وأنه يعيش في ظل عولمة تتنازعه فيها المفاهيم والأفكار والتصورات بكل سلبياتها.
ومن القيم التي يجب أن يتميز بها أدب المسلم؛ الإتقان. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه أبو يعلى)، وهذه خاصية لا يجب التهاون فيها كي تقدم نصوصًا جمالية يمكن أن تؤثر، لأن أيّ نص يخلو من جمالية التعبير وإتقان الصيغ والأسلوب، لا يمكن أن يُعد أدبًا.
ومن خلال هذه السمات والعناصر، يتكامل البعد الجمالي مع البعد القيمي والأخلاقي. ذلك أن القيم في العمل الإبداعي عمومًا، لا ينتقص من جمالية النص الأدبي مهما كان جنسه، لأنها سلوك جمالي ينبع من فطرة الإنسان. وقديمًا لم يقبل "أفلاطون" الشعر إلا إذا كان مرتبطًا بوظيفته التربوية ومهمته الأخلاقية. ولذلك رتب أجناس الشعر، حسب دلالتها الأخلاقية المباشرة.(10) وحينما يتحلى النص الأدبي بالقيم، فإن النص يشع بالجمال، لأن مركز الجمال في المفهوم الإسلامي يكمن في الخلق الحسن. ومن هنا يكون تغييب القيم الإنسانية عن الإبداع، تعبيرًا عن الانحراف الفكري والعقدي، وانعكاسًا لشكل من أشكال التخلف والرجعة والانحطاط إلى مستوى الحيوانية.
الهوامش
(2) انظر: نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، لعبد الرحمن رأفت الباشا، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1405هـ/1985م.
الاثنين، 30 أبريل 2012
أبى قال لى - وصية من الزمن الجميل - بقلم: خالد جوده
قصيدة ودراسة
(أبي
قال لي) - وصية من الزمن الجميل
خالد جوده أحمد
الأديب والصحفي الراحل الورداني ناصف غني عن
التعريف، فإضافة إلي وزنه كأحد كبار الشعراء، فإنه لم يكن يقنع أن تظل الكلمة
ساكنة، منطوية علي ذاتها، بل أراد لها أن تكون محلقة في أفق الواقع تنسج حلما،
وتؤسس قيما، وتنهض بالحياة، والشواهد علي قولي متعددة، منها ما أشار إليه أحد
الكتاب بأن الشاعر الكريم: (يجوب بقاع مصر سنويا من أسوان إلي الإسكندرية
ليقلٌب في التربة بحثا عن مواهب، وهناك جيل كامل في
الساحة أفراده ينتشرون شرقا وغربا يدينون بالفضل له)( 1 )، فهو لم يكتفي بصالونه الأدبي
الشهير بنقابة الصحفيين والذي كان يستقبل فيه عشاق الأدب كل يوم أربعاء، بل تجول
في أنحاء مصر بل والدول العربية يرصد نبات الإبداع ويمده بالدعم، فأديبنا يتمتع
بجانب إنساني رحب وتواضع جم، وحين نلتقي بالكاتب الكريم نعجب كثيرا من أدباء آخرين
قد يكونوا أنصاف أو أرباع موهوبين يتيهون علي أعناق الناس كبرا، وهم بعد مصابين
بالنرجسية الشديدة رغم أن أدائهم الأدبي والفني ما زال يخطو علي الطريق خطواته
المتعثرة.
والأديب الكريم عمد من خلال عمله الصحفي، وشغله
لعدد من أماكن التحرير - منها نائب رئيس تحرير جريدة السياسي المصري (ورئيس القسم
الثقافي بالجريدة ذاتها)، كما كان مسئولا عن الصفحة الأدبية بصحيفة المسائية بدار
التعاون ( 2 ) قبل أن ترحل لدار اخبار اليوم - في كتابة أخرى
ناشطة، فاهتمامه الأول ينصب نحو الحياة الثقافية وإصلاح الشأن الأدبي، بل وجعل
الأدب وسيلة شاملة لارتقاء المجتمع (والأدب فعلا كذلك)، فالقضية عنده ليست أن يلقي
الأديب نصه الإبداعي في ملتقى أدبي ثم يمضي منتشيا وكفي، بل الأمر كيف تتحول تلك
الرؤى والقيم والأفكار التي عبأ بها الأديب نصه الإبداعي إلي واقع معاش، لذلك نجد
أنه اجتهد في كتابة المقالات يناقش من خلالها قضايا ومشكلات الحياة الفكرية
والثقافية مستندا في ذلك لرؤيته تلك وخبرته الواسعة في الشأن الأدبي.
ومن هذا المنطلق كان إنتقائي لقصيدته (أبي قال لي) فهي تحمل الوصايا التي يهديها الأب بخبرته إلي
ابنه يرشده بها في دروب الحياة، بل يمكن أن نقول أنها (وصفة السعادة)، واعتقد أن
كل عاشق للأدب الجميل يحب هذه القصيدة إذ أنها تتماس لا محالة مع نداء الخلق
القويم ورحابته والتي تطوف به حول جانب آخر من الحياة الكريمة، والتي تنفي في
الوقت ذاته قتامة الأدب وسوداويته المفجعة والتي جعلت أرواحنا محتنقة، بل وتصف
الحياة وكأنها بسبيلها نحو الدمار والعبث كما نقرأ صباح مساء.
قرأت القصيدة ، فأدركت أنني أمام نص إبداعي يستمد
وهجه من تلك الأصالة التي طالما قرأنا عنها في تراثنا المجيد، كيف أن الأب يهدي
شعره ونثره إلي ولده، وكيف كانت الأم العربية تهدي وصاياها لابنتها تحثها بها نحو
غرس ثمار السعادة في حياتها الأسرية وإجتناء ثمار السعادة أيضا - وكلنا يذكر وصية
الأم في ليلة عرس ابنتها قالت لها مرشدة (كوني لزوجك أمه يكن لك عبدا)-
فأين نحن من ذلك ؟! ، وساحات المحاكم تغص بالملايين وقد غاضت صدورهم بالأحقاد
والإحن (في إحصائية تسعة ملايين قضية).
هذا ما تنبه له وجداني وأنا أطالع القصيدة لأول
مرة، أنها تطل علينا بوجهها المشرق من الزمن الجميل، زمن تزينه العفوية ونصاعة
الشهامة، وألحان السعادة العذبة.
والقصيدة نبعت من نبع القرآن الكريم واقتبست من
إشعاعاته المبهرة المشرقة بالعطاء، فكأن الكاتب امتزجت روحه بسورة لقمان وهو يعظ
ابنه، كما يضمن من آيات القرآن الكريم من سورة الإسراء: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن
تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً }الإسراء37
وظلت مشاعري ينتابها قلق عاصف من أن تتبدل محاور
القصيدة لترنو إلي واقعنا البائس، لكنها لم تكن كذلك، ولعل الشاعر فطن أن علاج
الشر لا يكون إلا بالحب، وأن دواء الحقد لا يكون إلا بالحكمة والعفو، وأن بهجة
العمر لا تكون إلا برحابة الخلق، وعلي هذا نصت الشرائع السماوية، واشتملت النصوص
الشريفة والفكر النير الذي يحمل نظرة خبيرة بطبائع البشر وحقائق الحياة.
ورغم ذلك هل كانت القصيدة مباشرة في صياغتها لأنها
تتحدث بالعظات والوصايا، وتصف الأخلاق الحسنة؟، لم تكن كذلك لعدد من الأسباب بداية
تلك اللغة الرفيقة الشاعرية والتي تقطر بالإشفاق والتأميل ترتب علي القلوب، والأمر
الآخر أنها تدرك لحظات الضعف وتقرها وتعترف بها وتصف الشخصية الإنسانية من خلالها،
فهي تصف أدبيا الوعي بطبائع البشر وما جبلوا عليه من أخلاق يقول:
( إذا قمت في الناس أشفق عليهم
فليسوا – كما تلتقيهم – سواء
فمنهم كسول
ومنهم عجول
ومن يستبد به الكبرياء
ومنهم يحاول تجميل وجه
ليخفي خلف النقاب العناء
فضمد جراح الذين استجاروا
وخفف عليهم صنوف البلاء (
فليسوا – كما تلتقيهم – سواء
فمنهم كسول
ومنهم عجول
ومن يستبد به الكبرياء
ومنهم يحاول تجميل وجه
ليخفي خلف النقاب العناء
فضمد جراح الذين استجاروا
وخفف عليهم صنوف البلاء (
لذلك أعتقد أن هذه القصيدة وثيقة تؤكد البعد
الأخلاقي في الأدب إذا امتزجت بفنية مؤثرة تستمد طاقتها من الصدق في الأدب والذي
كما ذكر بعض النقاد أن هذا الصدق: روح النص الأدبي وسر الفن.
أيضا كان التوفيق في تجنب
الوقوع في شراك اللغة الخطابية، بمعني أن القصيدة امتازت بالنظرة التأملية وتقطير
الحكمة بما جعلها قريبة من الأفئدة لأنها تقترن لديهم بما استقر في وعيهم من مثال
كريم، رغم الواقع العاصف
بالتالي لم تكن الخطابية
وسك النصائح سمة القصيدة بل تلك النصائح الممتزجة بروح الشاعر وصدقه الفني .
ألم أقل لكم أنها وصايا من الزمن الجميل ؟!
.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصيدة
أبي قال لي(3)
شعر: الورداني ناصف
وحين تفتح عينيك كل صباح
فبسمل.. وحمدل
وقل لا إله سوى الله
هلل.. وكبر
تكن دائما في صفا وارتياح
وقم من سريرك..
وارفع يديك وعينيك
نحو السماء
وقل – صافي القلب –
أستغفر الله من كل ذنب
ومن أي ذنب
ومن كل داء
وصل له ركعتين إذا ما توضأت
واشكره
أجزل له في الثناء
تضرع إليه بشوق
وسله
تراه يمد إليك جسور العطاء
أدرك بني
بأن اللجوء إلى الله غنمٌ
وأن الخضوع علا وارتقاء
أبي قال لي:
إذا سرت في الأرض
فاضرب برفق
فإنك (لن تخرق الأرض) يوما
ولن تبلغ الطود طولا
ولو جاءك البعض كي يسألوك
ويلقوا عليك كلاما ثقيلا
فرد عليهم بدون استياء
وقل دون طمس الحقيقة قولا
يريح القلوب ويبري العليلا
ولو حاول الشر أن يحتويك
فأطبق عليه جناحيك
واكبح جماحك
تنظره يخبو قليلا قليلا
فمن يعمل العقل في كل شيء
فسوف يرى كل شيء جميلا
أبي قال لي:
إذا قمت في الناس أشفق عليهم
فليسوا – كما تلتقيهم – سواء
فمنهم كسول
ومنهم عجول
ومن يستبد به الكبرياء
ومنهم يحاول تجميل وجه
ليخفي خلف النقاب العناء
فضمد جراح الذين استجاروا
وخفف عليهم صنوف البلاء
أبي قال لي:
تمهل وفكر إذا أمَّروك
وكن سيف حق إذا حكَّموك
وكن مخلصا لا تزايد عليهم
وكن واسع الأفق لو ناقشوك
أمينا تكون إذا ما استشاروا
وكن صادق القول لو شاوروك
قويا مع الحق.. واحكم بحزم
ورد برفق إذا جادلوك
وكن يا بني حكيما إذا ما
لدرء الملمات هم أرسلوك
دع الكبر لو كنت ترجو الأمان
وسر بالتواضع حتما تصان
وكن في البلايا ذكيا حصيفا
وعند احتدام الوغى عنفوان
فلا عز بالجبن يوما عزيز
ولا عاش بالخوف يوما جبان
ومن يحذر الكر يحيا ذليلا
ويبقى أمام البرايا مهان
إذا ناقش الناس يوما بجهل
عليك بأن ترتقي بالحوار
ولا تدع الشر يطغى عليهم
وحاول بألا يتوه المسار
فكم في الشرور تموت الأماني
وبالجهل يا كم يضيق الحصار
لسانك لو صنته سوف ترقى
وتصبح في الناس دوما مهابا
فحاول مرارا بألا يثار
فلو ثار لم نجن إلا العذابا
صحابك فتش عليهم برفق
وكن حاذقا في اختيار الصديق
فإما ترى فيه يوما عدوا
وإما ترى فيه نعم الشقيق
وإياك صحبة نذل بدرب
ولو كان نورا يضئ الطريق
تزود من العلم لو شئت نفعا
وبالفكر لو رمت بعض الكمال
فبالعلم تسمو دواما وترقى
وبالفكر تصبح أذكى الرجال
ولو غلف الجب قلبا جحودا
لرق وأضحى يسير المنال
إذا ضاق رزقك لا تبتئس
فرزق العباد على ربهم
هو الـ... يبسط الرزق أنى يشاء
لمن شاء.. يعطي بلا علمهم
فسبحانه الله يعطي رضاه
إلى الخلق وهو عليم بهم
بني إذا ما أتاك امرؤ
وأودع عندك أسراره
فحافظ عليها ولا تفشها
ولو كنت تعلي بها قدره
فلن يغفر الله سرا يذاع
ولو قدم المرء أعذاره
إذا قلت قولا فكن صادقا
ولا تك فظا ولا حانقا
فبالصدق يخضر وجه الحياة
ويصبح فجر الرؤى مشرقا
صل الأهل أحسن دوام الصلة
ولا تقطع الله ما أوصله
صل الأهل وانفض هموم الحياة
ويسر إذا ما أتت مشكلة
فأهلك أهلك لو خاصموك
فلا تستكين لقطع الصلة
قل الحق واحذر جموح اللسان
فبالصدق لن تك يوما مهان
وبالصدق كم تستقيم الأمور
ولن يستقيم بإفك لسان
فلو كان بالكذب يحلو الكلام
فبالصدق يحيا ويسمو الأمان
إذا أنت سافرت فاختر رفيقا
وكن صادق الحس في الاختيار
فإما تراه رفيقا عزيزا
يهون عليك هناء النهار
وإما تراه حقودا كريها
يثير لديك الذي لا يثار
بني إذا ما سمعت الأذان
فقم جاهدا كي تؤدي الصلاه
ولا تتكاسل لكي لا تضيع
الفروض فيغضب منك الإله
فترك العبادة جرم عظيم
ولا ينفع المرء عز وجاه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
( 1 ) صحيفة أخبار الأدب – العدد 1426 – 27-3-2005
– أرشيف الصحيفة علي الإنترنت .
( 2 ) الشاعر (رحمه الله) عضو بعدد من الجمعيات
والنقابات ورئيس تحرير عدد من الصحف كذلك منها: مصر والنداء الدولية والنيل
سابقا ومجلتي كل الدنيا والرياضة، وقد حصل علي المركز الأول في الشعر علي مستوي جامعة
حلوان، والزجل في العام نفسه، والمركز الثاني في مسابقة الثقافة الجماهيرية من
بين 389 متسابقا، وهو محاضر مركزي بهيئة قصور الثقافة الأمر الذي يمكنٌه من ارتياد
آفاق مصر بحثا عن المواهب.
( 3 ) القصيدة من موقع المثقف العربي الإلكتروني ،
ومنشورة بديوانه الأخير عن الهيئة المصرية العامة للكتاب " قطرات من الشوق
" – عام 2007م .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


